وقد تعددت المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع شكلا ومضمونا، لتطرح نفسها وبإلحاح على طاولات الندوات والاجتماعات الوزارية هذه الأخيرة التي ينتظر منها أن تتصدى بحزم قاطع لحسم قضية طالما ظلت تترعرع وراء ستار الإهمال واللامبالاة فغابت وراء حاجز من الصمت والتجاهل كرسته ووضعت حجره الصلب الجهات المسؤولة محليا ومركزيا..
والموضوعية تقتضي أن نتعامل مع هذه الإشكالية المستفحلة في أوصال بلدنا وهي الفساد الإداري بطبيعة الحال الذي هو السبب وراء كل المشاكل، بكل واقعية وإرادة قوية، وأن تصاغ حلولها لتكون مستمدة من تحريك آلية الحوار والإصلاح الفعلي لا الثرثري.
فإيجاد تركيبة سحرية لمبيد فعال يقضي على هذا الداء لا يحتاج إلى خطب ومأدبات وندوات بل لفعل قوي ومسؤول، منبثق من روح وطنية محضة وعزيمة حكومية صادقة ومتوافقة مع إرادة الشعب..
فلحد الساعة لم تهتم الحكومة أو لم تنو معالجة ملف الفساد الإداري وخصوصا مشكل اختلاس الأموال..
هذا الجذام الإداري الذي تتفرع جذوره وتمتد لتصل إلى جوهر كل الإدارات، الأمر الذي يطرح وراءه أكثر من علامة استفهام إذ أنه من أكبر الفضائح الوطنية إن لم نقل الخيانة الوطنية أن تخلى ترسانتنا القانونية من أهم قانون ينص على محاربة الفساد الإداري الذي هو أساس الفقر، والفقر أساس الإجرام والإرهاب، وبهذا نجد محاربة الإرهاب تتوقف عن محاربة الفساد الإداري بكل أشكاله وخصوصا ملاحقة واسترجاع الأموال التي تنهب و تسرق سراً وعلانية من صناديق الدولة باستمرار هذا بدل أن نعول على أصحاب متاجر العقاقير ليمدونا بأسماء الزبائن الذين يشترون مواد كيماوية لترصدنا من خلالها تحركات المجرمين.!؟
وأرى أن هذه الثغرة القانونية أو هذا الجحر القانوني لم يحدث من باب السهو بل هو من باب التعمد والتجاهل كما هو ملاحظ لجعل هذا البلد أسير الفقر والتخلف.. والأغرب من هذا أن من ينتظر منهم إقرار قانون متابعة الأموال المنهوبة هم الذين يسرقونها فكيف نتوقع منهم سن قانون في هذا الشأن. لذلك اقتصر الأمر على تشريع قانون حبس الجاني فقط لا غير ليستمتع بالمال المسروق بعد ذلك.. أما في حالة ما إذا كان المختلس من الفئة العليا فتكون الأحكام وهمية تقتصر على الأوراق أمام الرأي العام ليس إلا، أما الجناة فتراهم يتمتعون بكامل حريتهم وتبقى كلمة "القانون فوق الجميع" عبارة عن حقنة تخدير والدليل على ذلك "الحصانة"..
كما أن هذا الفراغ القانوني أساسا هو المشجع الرئيسي للتطاول على المال العام ويجب الاستعجال بسده إذ لا نستبعد أن الأموال التي تنهب قد تذهب أيضا لتمويل الإرهاب،، وفوق كل هذا فماذا إذا سيستفيد البلد من وراء سجن المختلس إن لم تتم ملاحقته بإرجاع الأموال التي نهبها.؟
والسؤال المطروح هو متى يتم تفعيل هذا القانون لمحاربة هذا الفيروس الذي أصبح مألوفا لدى أجهزتنا المحلية والإقليمية لكونه ظل يترعرع داخل سراديب الإدارة منذ خروج الاستعمار، أفلا يعتبر هذا المشكل من أسوأ المشاكل ليصنف في خانة الإرهاب لمحاربتهما معا بكل جدية طالما لا يقل ضررا عن هذا الأخير إن لم يكن من أحد الأسباب الرئيسية التي تساهم بشكل أو بآخر في إنتاج الإرهاب.؟
ثم ألا تشكل هذه الحالة هي الأخرى ضررا وإرهابا أخطر على كل المستويات والمجالات تضر بمصلحة الوطن برمته، أم أن الحكومة لا تأخذ قضايا البلد على السواء بكل اهتمام وصرامة إلا عندما يتربص الخطر بكراسيها فعندها تهرول لأجل حماية نفسها فقط، وإهمال باقي الحالات الأخرى التي تلحق الضرر بجسد وطننا؟! ثم أليس حجم الأضرار التي خلفته فضيحة "الضمان الاجتماعي" وفضيحة "CIH" وفضيحة "المطار" لا تقل حجما وخسارة عن أضرار أحداث 16ماي و 11 مارس وغيرها.؟! وهل لا يعتبر المختلس والمـزور والمرتشـي والنصـاب إرهابيا في نظر القانون ويستـوجب نفس المكافحة ونفس العقاب؟! وما الفرق إذن بين هذا وذاك إن كان الكل يمس بالوطن وبمصالح الوطن، فرغم اختلاف السبل تبقى النتيجة واحدة هذا دون أن ننسى أن معظم النار من مستصغر الشرر.؟
وفي ظل إخفاء الحقائق وصم الآذان وإماطة اللثام عن التجاوزات تترعرع المصائب الصغرى بين أحضان المصائب الكبرى لتنجب لنا كوارث عظمى.. وطالما كلمة عفا الله عما سلف لم تشطب من قاموسنا فلن ينجو بلدنا من المشاكل وبالتالي يكون المواطن هو الضحية الأولى بدفعه ثمن فاتورة كل الأضرار..
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire